ابن سبعين

391

رسائل ابن سبعين

من الخلق والجنة ، وفريق في النار وفريق في الجنة ، لو غفلنا لم نعش بعد حملنا النعش ، ولم نعال بعد نفض النعال ، ولم نوال في بذل النوال ، والحياة غرور ، والسرور شرور ، همام [ الدنيا ] مهموم ، وذمام الدنيا مذموم . وإذا كانت الحياة الطبيعية شرطا في العقل الهيولاني ، والعقل الهيولاني شرطا في العلم الصناعي ، والعلم الصناعي شرطا في الفضائل الأول ، والسعادة المشتركة ، فكيف بالحياة الإلهية ، ومشروطها المستفاد الذي يحصل به العلم الموهوب ، والعمل المنسوب ، وملاحظة المحب للمحبوب ؟ وأنت آنسك اللّه بنفسك ، وغبطك بمعرفتها ، وعرفك كنه هويتها وآنيتها ، فإن الأردياء لا يفرحون بجواهر أرواحهم ، ولا يتلذون بالخلوة ، فإنهم مخدعون بعوارض الهيولى ؛ ولذلك هو أنسهم باللهو واللعب ، فإذا خلو بأنفسهم يتألمون لأجل جهلهم بها ، وعاداتهم الفاسدة ، فإذا عرفت نفسك ، وقع لك الأنس اللازم الذي لا يفارق جوهرك ، وأنسها لاحق بالأنس باللّه وملائكته وأنبيائه ورسله وأتباعهم ، وإذا وجدت في نفسك شبهة من طريق الأدلة العقلية الجأ فيها لقوتك وتصورك وللصنائع إن كنت تحكيها ، فإن لم تستطع إزالتها ، فاستعن بالرجال ، فإن صعب عليك الأمر فعليك بالتوجه للّه صحبة ما ذكر . هذا إذا أخذت نفسك بذلك ، فإن لم تكن عقلية ، وتكون سمعية ، فعليك بأصول الأدلة الخمسة ، وما ذكر قبل معها ، وإن كانت مجموعة من العقلية والسمعية ، وأخبار النفس فعليك برجال اللّه الآخذين عنه بالإدراك النبوي والأنموذج القلبي ، وبالجملة : الحكم صورة متممة لجميع المطلوبات المقومة لها ، فعليك بها ، ثم يا أيها المسترشد ، صل رحمك تجد اللّه قد رحمك ، والحر من تجمل في إقدامه ، وتجمل في إعدامه ، ولا يلتفت إلى ما جمعته كفّاه ، ويرتضى من الرزق بما كفاه ، وهو بسيرته من القوم الذين يصلون ويصلون ، ويقول أصغرهم في الصغائر : واحزناه . ويعمل لما بعد الموت ، ويخاف من النقض وقت الفوت ، ويجعل النقلة ما بين أجفانه ، فكيف يكون بعد الأسبوع في أكفانه ، وأنت ذاك الرجل ، فافعل ما أمرت به ، تجد الحسن المشار إليه عند العامة قبحا ، والليل المعول عليه عند الحاجة صبحا ، واطلع بالتركيب إلى الذات ، ثم قل قوله تعالى : إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ، ثم انصرف إلى التحليل إلى أفعالها ، ثم ارجع وقل : هذه سدرة المنتهى ، وهنا عجزت الصنائع والنّهى ، وادفع عن ضميرك الوهم والهوى ، وتحرك بقلبك كما يتموج فوق رأسك الهوا ، تكشف